ستبقى((دجلة )) رمزاً للحبِ والحياة ((الضفاف السعيدة )) ((الروائي عدنان يعقوب القره غولي))
نشر بواسطة: admin
الجمعة 27-07-2018
 
   
بقلم :- الأديب حميد الحريزي


((مرمية منهارة عند الجسر،كنت ابحث عن من لم أجده)) رص17

العنوان  ودلالته :-

الضفاف تعني ان هناك نهرا   فلا ضفاف بلا   انهار ،  وهذا النهر هنا نهر الحياة الجاري عبر حراكه الاجتماعي الدائم  والغير قابل للتوقف ، ولا شك ان هذا الجاري من مكونات ليست متطابقة في جميع الانهار  الحقيقية ، فمنها الماء الصافي الزلال  الغير ملوث ، والعكر المغريّن، والمتعفن الشبه راكد ، منه من تشق عبابه السفن والزوارق مختلفة  الاحجام والمحملة بمختلف البضائع ، بعض الانهار غنيا بأنواع الكائنات المائية السمكية وغيرها ، ومنها لا يضم سوى النفايات والروائح الضارة المقرفة ، منها من يسرح وتمرح على سطح مياهه النوارس والطيور الجميلة  ومنها ما لا تالفه سوى الضفادع والسلاحف  المنتنة ...

طبعاً وصف النهر يتكون من خلال طبيعة المنبع والروافد التي تصب فيه ، ومن خلال طبيعة الاراضي التي يجتازها وطبيعة الناس اللذين يتشاطؤون معه من المنبع للمصب ، هل هذه التجمعات السكانية منتجة ، متحضرة ، حريصة على نقاء وصفاء مياه النهر ومحتوياته وحيواناته ، ام مستهلكة  مبذرة ، ملوثة  قذرة  وغير مهتمة  بحياة النهر وكائناته ...

المجتمع  مكون من مكونات تشبه مكونات النهر .. الفرد والمجتمع  بطبقاته المختلفة  جزء من هذا المكون متأثراً بطبيعته وبطبيعة مكوناته ،  طبيعة منبعه  ومصبه ، وخط جريانه ، انه يكافح امواجه هادفاً الوصول  الى ضفافه السعيدة  حيث الامان والسلام  والرفاه، حيث الجمال والخصب والنماء ...

وفق كل ما ذكرنا كان عنوان الرواية دالاٍ على متنها وطبيعة الاحداث والشخصيات الرئيسة والثانوية  فيها  حيث تمثل ((دجلة )) وهي ابنة الطبقة المتوسطة  العراقية الطامحة في الوصول بشعبها ووطنها الى الضفاف ألسعيدة وفق بيئة نهر فقد الكثير من مياهه النقية  وكائناته الحية وأتخم  بأطنان من القاذورات والملوثات ، اغلقت الكثير من روافده او استبدلت بملوثات  ضارة ، مما سبب حالة التدهور المريع  للمجتمع العراقي ، خصوصاً بعد الاحتلال الامريكي  وتسليم مقاليد الحكم  الى القوى العرقية والطائفية ، فأصبح النهر عفناً لا يطاق ، لامثيل له في كل العالم ...

اسلوب ولغة السرد ، والحبكة الروائية :-

((عائلتنا احدى المنقرضات الانسانية ، انها لا تتكاثر كما يتكاثر  الاخرون ، وما تلبث ان  تتبخر لانهال اتجيد النفاق الاجتماعي في عصر كله  نفاق )) ص 65.

عائلة ((دجلة)) هي احدى العوائل البغدادية  من الطبقة المتوسطة العراقية ، الوالد – المهندس المعماري الفطن ، عاشق  الثقافة والأدب والحداثة  والتطور  الحالم بعالم افضل  كنموذج فرد في الطبقة المتوسطة الناهضة او الحالمة بالنهوض كما اطلع على ذلك  الدور المميز في المجتمعات الغربية المتطورة كايطاليا مثلا :-

((كان موهوباً ، موهوباً بأعجوبة ، له مزاج خاص لا طاقة  لاحد به ولا يمكن ان ينسجم مع احد تمام الانسجام )) ر ص59.

هذا الفرد  الطامح بالحرية والتحرر  وتجاوز التقليد والرثاثة والتخلف ، لا يمكنه ان يأتلف مع مجتمع تهيمن عليه الرتابة والتخلف والسطحية  في التفكير والتدبير  ممثلا بزوجته والدة ((دجلة وعشتار)) ، فهناك فارق كبير بينها كرفيقة حياة  وحاضنة موهبة كما هي صديقته الايطالية الجميلة ذات الشخصية القوية  المتفردة  رمز الطبقة المتوسطة الايطالية التي لم يستطع ابو ((دجلة)) مجاراتها رغم حبه الكبير لها  مما دفعه للزواج  من ام ((دجلة )) او محاولة التصالح مع حالة الضعف والتخلف والرتابة في مجتمعه والعيش في عزلة قاتلة ادت به الى الموت وهو في حالة سكر دائم بعد ان عجز من الاحتفاظ بداره التي هندسها على الطراز القوطي لتنسجم مع تطلعاته ولكن العوز والفاقة في ظل الحصار سلبها منه كما حصل مع مكتبة العم التي كان يحلم ان يجعل منها مكتبة تضاهي المكتبات العالمية ، كما هي مكتبة((شكسبير )) في باريس ل ((سليفيا بيتش)) الامريكية  بعد الحرب العالمية الاولى (( وهي ناشرة رواية يولسيس)) ر ص13.

انهيار  مكتبة  و ((تسجيلات جيقمقجي)) ، كان للحصار والحرب دورا كبيرا في تدهور الثقافة  وتدني الذوق العام   وانحداره نحو الحضيض ، تجريف القيم الاجتماعية الايجابية لتنتشر الرذيلة ، والسطحنة  والابتذال والتخلف  على كافة المستويات

(( الحرب كان لها كلمة اخرى فقد زحفت بضجيجها وكان على مكتبتنا ان تدخل دوامة هزيمة اخرى )) ر ص13.

((مكاتب الاستيراد والتصدير مكاتب الدعارة وممارسة الجنس في العاصمة )) ر ص7.

((النساء ترتشي ، نعم  النساء ترتشي... البشر يتعرون عن ثوبهم الحقيقي))ر ص90.

(( الحجاب والتدين الزائف بات موضة هو الاخر ، جاب مع اعتى ضروب الفحش)) رص91.

((هكذا ينقسم العالم اجمع الى اسياد وعبيد )) ص 144.

((نوستر داموس- والافلاك وكشف الطالع موجة الوهم والتخلف)) ص10

((الانشغال بالتفاهات والكتب السطحية )) رص91.

كل هذا الوصف لحالة المجتمع العراقي في عهد الديكتاتورية والحرب والحصار ، هذه الوحوش الكاسرة جميعها وبشراسة وهمجية فائقة  تضافرت من الخارج والداخل من اجل تفتيت المجتمع العراقي وتدهوره والهيمنة على مقدراته ، وفي اول اهدافها اختراق الشخصية العراقية وكسر شوكتها وسلبها كل  مقومات الانسانية التي تعتز بذاتها ، فأحكمت عليها مستنقع الجهل والمرض والفقر والخوف وهذا ما حصل ويحصل بالفعل ...

ذهبت كافة  جهود الافراد ومحاولاتهم للتصدي لهذا الخراب ادراج الرياح فهذا  والد ((دجلة)) قتله اليأس والانعزال والإدمان على الخمور .

وهذا المهندس الشاب الذي مات غرقاً في نهر دجلة  وهو يحاول اصلاح الجسر الذي دمرته قوى  الاحتلال الامريكي (( كان جهاد مهندساً مدنياً ، تخرجنا من الجامعة  ذات العام وكنت معه حين سقط ، شاهدته بام عيني يغادر الفتحة التي خلفها القصف ليهوي في الماء )) ص97.

هذا ما يرويه صديقه المهندس ايضاً الذي اضطرته حالة العوز والفاقة  الى امتهان بيع الكتب على رصيف المتنبي من اجل الحصول على لقمة العيش في زمن الديكتاتورية والحصار

(( شاب في حوالي الثلاثين  يمتلك ذقن مبعثر ووجه بائس يبيع الكتب لمردود وظيفته المتواضع))ر ص97.

الكاتب اختار المهندس بوعي ليمثل روح لعلم والتطلع كممثل للطبقة الوسطى الحالمة  بمستقبل افضل ترتقي بالشعب والوطن نحو التحضر والحداثة والتقدم ، فوالد ((دجلة )) مهندس و ((بائع الكتب مهندس ، والذي هوى في النهر غرقاً مهندس  ايضا ... ولم يعثر احداً على جثته ، فظل جسمه وشكله وفكره يترآى للكثير من الحالمين بالخلاص كنموذج للإنسان المنشود .

كما ان الكاتب عمد على الاهتمام بأعمار الجسر باعتباره رمزاً للتواصل بين البشر ، الرابط بين الضفاف المختلفة والمتباعدة ، وسيلة الانسان الاجمل والأفضل لعبور العقبات والموانع من اجل التواصل والعيش المشترك بسلام .

تمزيق الاقنعة وكشف المستور :-

((كلكم أمساخ .. تتكاثرون ... امساخ ، انت  ، شذى ، التي دمرت ابي  وأسرتنا  عاهرة خالتك ... الم تأت  ، هي  التي تكن لها دوافع لقتله فقتلته ...)) ص97.

الكاتب على لسان ((دجلة )) يفضح حالة الشرذمة والتشظي وطغيان الانانية والطمع على سلوكيات افرادها حد الجنون ، اصابتها بأمراض وعقد نفسية مختلفة ، تهتك القيم والأعراف التي كانت تقدسها يوماً حينما كانت تعيش بحبوحة العيش والرخاء المالي ، الخالة التي حاولت اغراء زوج اختها  معتبرة اياه من حقها وهي الاجدر به  من اختها (( تغار من امي وتراها تزوجت انساناً موهوباً وهي التي تمتلك الصفات التي تناسبه ، لم يتقدم لخطبتها وهو يعي هذا ويتذبذب في ميل وتراجع امام تقربها له حتى وقع في حبها ))ر ص187.

كل هذا يعني فقدان  الشعور  الانساني  والمحبة العائلية  والدخول الى عالم  الحنونة والأنانية  الكريهة .

حبكة محكمة وسرد ممتع :-

رواية ((الضفاف السعيدة )) من الروايات التي تحتاج الى  القراءة لأكثر من مرة  لكشف مغاليقها وفهم دلالاتها ، هذا ما يحتسب للكاتب فهو بذلك يمنحنا  فرصة للتفكر والتمعن ، ويعطينا  متعة الوصول الى الاستنتاجات والتأويلات  والأهداف التي تهدف لها احداث الرواية وتحولات شخصياتها  ودلالة عناوينها  اسماء ومسميات  وعناوين وأماكن ...

تماهي (البطلة )) او الشخصية الرئيسية للرواية ((دجلة)) مع شخصية كاتب  رواية (( الضفاف السعيدة )) والتماهي مع احداثها  وشخصياتها مكن الكاتب بقدرة توصيل الفكرة ومتابعة الاحداث والربط بين واقع حال ما يجري في بلد متخلف وواقع احداث  رواية كاتبها وإحداثها في المجتمع الاوربي حيث الحرية الشخصية وازدهار  الطبقة  المتوسطة (( اوربا الجميلة ... اوربا الحلم لأغلب ابناء الجيل ... نسؤها كثر وخمورها غزيرة وفنونها وجنونها بلا حساب ...)) ص73.

هذا الحلم  وسراب ووهم  العيش في بلدان المهجر بالنسبة لشباب بلدان التخلف  نتيجة  لمعاناة الاضطهاد والكبت والاستلاب الذي يعيشونه في بلدانهم بسبب قهر وطغيان وفساد حكامهم ،  حلم الحصول على حيز من الحرية والرفاه والكرامة الانسانية في بلدان الغرب الذي كانت تعيشه في زمن نهضة البرجوازية وعدم دخولها في عنق الزجاجة  بسبب ازماتها الدورية  الخانقة حالياً مما جعلها تضع القيود وتقيم المعسكرات الاحتجاز للمهاجرين من بلدان العالم الثالث خصوصاً بعد ان كانت فتحة ذراعيها لهم لحاجتها الى الايدي  العاملة  والمتعلمة  خصوصاً  لسد حاجة  معاملها ومصانعها ومنشأتها وهي في اوج نشاطها وقد اصبح الان يعيش حالة من الكساد  ..

كذلك فقد كان المكان حاضراٍ في ثنايا السرد حيث الاسواق والحارات البغدادية وتسجيل تحولاتها حسب الظروف ، وإبراز شواهد  وجرائم امريكا  الحرب  والاستغلال من خلال زيارة ملجأ الايتام من معالم الخراب والدمار الذي خلفه العدوان الامريكي على العراق فعمق جروح الديكتاتورية المنهارة  والتي كانت احد صنائعها الذي  استبدلتها بطبقة  فاسدة مفسدة لبست ثوب التدين بدلا من ثوب القومانية المتعفن ...

كان المؤلف بارعا في توضيح مختلف العوامل الاقتصادية والسياسية والعاطفية في تصنيع نفسية الانسان تحت ظروف معينة ، فانعزالية  وانكفاء ومن ثم موت والد  البطلة  كحالة نفسية دالة على الاحباط والانكسار واليأس العاطفي والاجتماعي وعدم القدرة على التآلف والانسجام لا مع القرين ولا مع المحيط ...

شذوذ وعدوانية ((شذى)) وهوسها يتربية القطط الفنصاء كردة فعل منها  بسبب طول انفها .

(( انها هي الغارقة  بعقد وامراض نفسية ، هل تعرفون لماذا تربي  قططها الفنصاء ، فقط لتداري عقدة انفها الطويل )) ر ص155.

اصابة البطلة  بالأم المعدة   او قرحة المعدة كانعكاس لوضعها النفسي  ومعاناتها ممن حولها  وعدم قدرتها  على استيعاب ما يجري حولها مشبهة اختها حالتها بحالة ((جيمس جويس))

(( جيمس جويس " اصيب بالقرحة ومات على اثرها )) ص 174.

مما أدى بها الى دخول مستشفى الأمراض النفسية علها تحصل على الراحة والنوم  للهروب من الواقع  المحيط ((اني بحاجة للمزيد من النوم فهل تكرمت لي بذلك وأعطيتني المزيد منه )) ص 177.

وليس غريباً ان  تكون ادويتها ((المانية)) ، فخيال العالم الاوربي وما يعيشه الناس هناك حسب مخيلتنا كما  يصنعها الاعلام الغربي هي المهدأ والمسكن لآلامنا واحباطاتنا .

(( اني حياة جامدة في مكتبة عجوز فكان (ج.ج) متنفسي ولا يهمني ان كان حقيقة  او وهم )) ص 188 ... طبعا  واضحة دلالة   جهاد مجيد   ... نعم جهاد من اجل الحرية والتحضر والرفاه والسلام  هو جهاد  مجيد  ونبيل والبطلة لا تريد ان ترفع الراية البيضاء   فهي تظل  ترفع مشعل الجهاد المجيد من  اجل حياة افضل  رغم كل  شيء  سواء اكان واقعا معاش او حلما ووهما نتمسك به .

يبقي  الكاتب شمعة الامل مضيئة في اخر المطاف او في اخر النفق في عالم ((دجلة)) التي ستكتب الضفاف السعيدة ))

((انها قصة ثورتي ضد جمودي الذي طغى علي لسنين طويلة ... انها قداس حياتي وليس قداس مماتي ... حياتي ثورة قادمة  ساسميها manifesto in D minor او سلم د الصغير ... او الضفاف السعيدة )) ص 190 .

نخلص من ((الضفاف السعيدة)) باكتناز تجربة حياتية مشبعة بروح الواقعية المحببة اللاوعظية / محملة  بدروس حياتية  ربما تجعل بعضنا يعيد النظر في العديد من تصوراته وأرائه وسلوكياته وإحكامه  حول ما يجري في واقعنا المأساوي اليوم

(( الرواية ليست محض وصف للحياة يبعث  على المتعة بل هي شيء يمكن ان "يتنافس مع ألحياة وان يطورها ويرتقي بها وحتى يفوقها ويضعها في فخ مصيدته لاجل تحقيق غايات مستوحية باعظم قدر من الدقة )).

*رواية ((الضفاف السعيدة للأستاذ عدنان يعقوب القره غولي – اصدار الدار العربية للعلوم ناشرون ط1 2014.والمؤلفة من 191 صفحة .




 
   
 



اقـــرأ ايضـــاً
31 قتيلاً وجريحاً من الحرس الثوري الإيراني جراء الهجوم على الاستعراض العسكري
إيران تغلق منفذين حدوديين مع العراق بسبب هجوم الأهواز
تركيا بعد 26 شهرا.. اعتقالات الانقلاب لا تزال مستمرة
إسرائيل: أثبتنا لروسيا مسؤولية سورية عن إسقاط طائرتها
حصري.. وزير الخارجية اليمني للحوثيين: نريدكم شركاء في الوطن
بومبيو يجدد تهديد إيران بإجراءات مباشرة
وكالة فرانس برس : الخناق يضيق على البغدادي
تقارير صحفية: مسؤول أمريكي في التحقيق بشأن روسيا اقترح التنصت على ترامب
السفارة الامريكية في العراق : برواري كان لا يعرف الخوف
واتس آب "يختفي" من أجهزة ملايين المستخدمين حول العالم!
البرلمان العراقي يطالب باستدعاء السفير البريطاني لـ"تدخله" بشؤون البلاد
فيسبوك تعزز تصديها للأخبار الكاذبة بشأن الانتخابات رغم انتشارها الواسع
 


اشترك معنا في النشرة البريدية للموقع ليصلك جديد الموقع من الاخبار والمقالات المنوعة على بريدك الالكتروني