اردوغان : (الساحر) الذي ابتلعته الأفعى!!
نشر بواسطة:
2013-06-14 02:08:30
 
   
د. عزيز الدفاعي

لازال الرأي العام في المنطقة والعالم مندهشا إزاء تفسير الإحداث الدراماتيكية المفاجئة التي تشهدها تركيا منذ أكثر من أسبوعين من اندلاع المواجهات بين ألاف المتظاهرين وقوات مكافحة الشغب في تركيا التي دفعت رئيس الوزراء رجب طيب اردوغان الى استخدام مفردات خصومه السياسيين من القادة العرب الذين ناصبهم العداء.. واشترك معهم في تفسير وتوصيف هذه الإحداث الداخلية ومن يقف وراءها و التي اعتبرها جزء من( مؤامرة خارجية) ضد حزبه  العدالة والتنمية وسياسته الداخلية والخارجية.... ووصف الشباب المتظاهرين في ساحة تقسيم بنعوت بعض جيرانه الحكام العرب الذين عدوه خصما لدودا لهم منذ ان أشعل بن عزيزي النار في نفسه إيذانا بالنوروز او الربيع السياسي العربي الذي انتقلت أصدائه الى اسطنبول وانقره وباقي المدن التركية كما تسري النار في الهشيم.
بعد عامين ونيف لم يصغ خلالهما القادة الأتراك لنصائح البعض للتفكير مليا قبل اللعب بنيران العالم العربي وجراحه الذي وصل الى درجه  رهان انقره على المجاهدين المتطرفين والايغال بالصيد في مياه تلونت بلون الدم الذي سال انهارا مع مجرى الفرات من منبعه الى مصبه.... تقف تركيا فلى منعطف سياسي خطير رغم إخراج المتظاهرين بالقوة من تقسيم وتهديد اردوغان بإنزال أنصاره للشارع كتعبير عن الخوف .
 ما سر شبه الإجماع العربي  على أن هذه التظاهرات هي  نتيجة حتمية لتورط تركيا في صراعات دول المنطقة ذات الطابع ألاثني والطائفي متناسيه في نشوه النصر وقطف المكاسب انها أيضا من مخلفات خرائط الحرب العالمية الأولى بعد تقطيع أوصال (الإمبراطورية المريضة )وان الخليط القومي والطائفي والتناقضات الإيديولوجية واختلاف المواقف إزاء موقع تركيا  المستقبلي وانتماءها كجزء من أوروبا العلمانية او كدوله قائد في العالم الإسلامي قد تسببت في اندلاع الصدام الأخير بين السلطة والشعب بعيدا عن ألشراره الظاهرية التي أشعلت جبل القش المتعلقة بميدان تقسيم او  منع تناول الخمور ليلا.؟

 أن السؤال الذي بات يتردد في كثير من دوائر صنع القرار في العالم هو : هل ستغير رياح إسقاط الأنظمة في العالم  العربي اتجاهها بعد أن تحولت سوريا إلى مستنقع غاصت فيه أحلام الكثيرين وأخرهم تركيا؟؟ ... وهل سيشمل التغيير المرتقب إبطال المشروع الشرق أوسطي الذي كانت كوندليزا رايس عرابه الأساسي وأشيع ان رايس حين عرضته على القادة الأتراك في جلسه سريه وكان يتضمن تنازل تركيا عن أجزاء جنوبيه منها لأقامه ألدوله الكردية غادر جنرالات الجيش التركي الاجتماع منزعجين ولم يبق معها سوى اردوغان !!!
  أم ان هناك تغييرا جديد في الأدوات والآليات لإتمام عمليه أعاده رسم خارطة المنطقة من المحيط الى الخليج دون استثناء احد بأدوات أخرى ستطال أكثر أصدقاءها العرب ودا؟
 وبعيدا عن الاجابه التفصيلية لمسار التغيير السياسي المرتقب الذي سيشمل حتما دولا كثيرة عربيه وغير عربيه في المنطقة صيف هذا العام فقد  باتت تسريبات ألصحافه البريطانية الامريكيه تتحدث عن  تغييرات جوهريه قادمة بصفقات دوليه ووفقا لما تضمنته العديد من المقالات والتصريحات التي نسبت لقاده غربيين في بروكسل ولندن وواشنطن  دوافعها الحقائق على الأرض أولا والتي لم تكن فيها حسابات الحقل مثل حسابات البندر وثانيا ان الرهان على مشروع الإسلام المتطرف في  المنطقة قد تراجع كثيرا وربما دخل ضمن نطاق الممنوعات والكبوات ألاستراتيجيه التي لا تخدم مصالح الغرب واثبت خطا حسابات عرابي إطلاق الوحش الإسلامي المتطرف في المنطقة ليلقف الآخرين حتى حلفاء أمريكا وأصدقاءها.
 
وتشير هذه المصادر ان القوى التي تحفظت  سابقا على السياسات الهادفة لإيصال الإسلاميين في الشرق الأوسط استعادت حضورها وباتت تتكلم بصوره مرتفعه وقويه وتم الإصغاء لها سواء في البيت الأبيض او بروكسل لا بل ان عددا من عواصم القرار الغربي طلبت نصيحة موسكو لتلافي خسائرها والتقليل من تداعيات القادم في المنطقة قبل فوات الأوان وان الرئيس اوباما وجه انتقادات حادة لأكثر من زعيم عربي بما يشبه اتهامهم بتوريطه بحسابات خاطئة  في مصر وسوريا وحتى ليبيا وان هؤلاء عليهم تسديد ثمن ذلك باهظا وهو ما ستكشف عنه الأشهر القادمة  ولعل من مؤشراتها الأولية إجماع واشنطن ولندن وباريس وبرلين على توجيه النقد القاسي لاردوغان لانه يواجه بالعنف متظاهرين لجئوا الى آليات الديمقراطية ثم دعوه اوباما يوم أمس لقوى المعارضة السورية لتوحيد صفوفها لا من اجل القتال بل من ( اجل الحوار مع الآخرين )حسب الناطق  باسم البيت الأبيض.
 لقد  سال رئيس دوله أوروبيه  عضو في الاتحاد الأوروبي قبل أشهر سفراء الدول العربية  المعتمدين لدى بلاده الذين التقى بهم عن حقيقة ما حصل بعد الربيع العربي وهل جرى استبدال انظمه شموليه بأفضل منها  ولم ينتظر منهم الاجابه بل ففأجائهم بقوله ان ما جرى هو استبدال السيئ با سوء منه مضيفا أن من بين ثمار الربيع العربي المرة  إيصال زعماء الإرهاب الى حدود المتوسط قريبا من القارة الاوروبيه.  
ربما كان غزو مالي ، وحادثه عين ميناس في الجزائر، واغتيال المناضل التونسي شكري بلعيد، وصدام الإخوان في مصر مع التيار الليبرالي ، وتحول تونس الى مورد للإرهاب  دفع الغنوشي للبراءة من المجاهدين العرب فكرا وسلوكا ، وانفجارا ت الريحانيه في تركيا،ورفض أوروبا تصنيف( حزب الله) كمنظمه إرهابيه وتراجع بلغاريا عن اتهامها  له بتفجير بورغاس واغتيال القنصل الأمريكي في بنغازي مع استمرار الحرب الأهلية في ليبيا بإيقاع منسجم مع مذابح  اليمن شبه اليومية وتعيين الرئيس اوباما لسوزان رايس مستشارا للأمن القومي  نتيجة فشل سلفها في تصوراته بشان كثير من الصراعات من بينها موعد سقوط الأسد في سوريا وترشيحه لسامانتا باور بدلا عن رايس في الأمم المتحدة وكلاهما من  الداعمتان لحقوق الإنسان مما يعز ز التغير في السياسة الخارجية الامريكيه التي وجدت نفسها إمام مأزق  التورط في  تسليح الأصولية والعنف الدموي بدلا عن  ربيع اللبرالية  في وقت فشلت فيه  كل الرهانات على إسقاط النظام في سوريا مع تحول التحالف الروسي- الإيراني الصيني الى متغير خطير في المنطقة سمح لحزب الله للدخول فى المواجهة الميدانية معززا بموقف موسكو بتزويد حلفاءها با سلحه استراتيجيه...... كل هذه المتغيرات في المشهد السياسي هي  مجرد محطات قد ترسم لوحه الفشل السياسي  والإحباط الذي تركته رياح الربيع العربي الذي ربما تحول الى تسونامي بمروره فوق الخارطة التركية التي كانت لاعبا هاما في إحداث العالم العربي والتي تعنينا تحديدا في هذا المقال.

 في الآونة الأخيرة تسربت معلومات مفادها  انه بات  لدى اردوغان و قادة حزب العدالة والتنمية المرتبكين من  تداعيات الثورة التركية قناعه بان   المظاهرات في تركيا ليست عفوية بل هي من نتاج جهد استخباراتي دولي وربما روسي وإيراني وسوري شاق متقن وصبور بمباركه غربيه ساهم في تحريك وتفجير الشارع التركي وتجييش الاتاتوركيين والماركسيين والعلويين واللبراليين والرافضين لا سلمه ألدوله والتورط في النزاعات العربية و قد يقود تركيا إلى انتكاسه كا رثه سياسيه واقتصاديه لم تكن بالحسبان أي قناعتهم بان ما يحصل هو ارتداد نفس أللعبه التي تورطت فيها تركيا في السابق ضد سوريا والعراق منذ سنوات.. ولعل ما ابلغه رئيس الموساد الإسرائيلي الذي قام بزيارة خاطفه لا نقره من معلومات ما سيكرس الشكوك والمخاوف التركية من هذه التحالفات الجديدة.

 وأشارت هذه التسريبات الى ان انقره  لن تتردد في التراجع  عن مواقفها و قبول صفقه عبر الكرملين بواسطة وسطاء لمقايضه المتظاهرين الاتراك بمقاتلي جبهة ألنصره والجيش الحر في حلب وادلب وباقي المناطق التي تسيطر عليها المعارضة  أي تقديم تنازلات لإخراج تركيا من هذه الورطة التي غالبا ما سخر فيها اردوغان سابقا من جيرانه الذين اتهموه بالتورط في دعم التطرف والارهاب في كلا البلدين وربما يفسر ذلك تحرك الجيش السوري السريع بعد معركة القصير تجاه ريف حلب وإعلان الأسد بان (سوريا خرجت من عنق الزجاجة) أعقبه إعلان تل ابيب بان دمشق نقلت أسلحة استراتيجيه لحزب الله غيرت ميزان القوى مع تأكيد مسئول امني إسرائيلي رفيع المستوى بان الحرب ربما تكون قد حسمت في سوريا لصالح النظام  او هكذا ستسير.
 
غير ان مصادر تركية عليا أشارت إلى أن من يقف وراء موجه التظاهرات هذه في تركيا جمله عوامل لا تقتصر فقط على غرور اردوغان ورفضه للاستماع  حتى إلى وزير خارجيته احمد داوود اوغلو صاحب نظريه (تصفير المشاكل) ورهانه على مغارة (علي بابا) النفطية العربية متناسيا أنها تحوي أضافه الى البترودلار وكرا للأفاعي والصراعات الطائفية والاثنيه التي  لا يقوى على لدغاتها انعكست على تركيا التي أقامها أتاتورك على العلمانية والابتعاد عن مشاكل جيرانه العرب الذين ارتمى اوغلو في أحضانهم باندفاع غريب وربما داعبوا خياله بلقب الخليفة العثماني بعد مسرحيه دافوس وسفينة المساعدات لغزه.
 
 ويرى هؤلاء وهم من كبار الساسة الأتراك أن الأمر لا يقتصر على تداعيات تغيير استراتيجيه السياسة الخارجية التركية من السعي للحصول على عضوية الاتحاد الأوروبي شبه المستحيلة الى التطلع لزعامة العالم الإسلامي ويرون ان هناك  أجنده سريه غربيه لإضعاف تركيا والعودة بها  الى الوراء  من خلال (الثورة البرتقالية)وليس الربيع العربي ويتهمون صراحة المليونير جورج سوروس صاحب مؤسسه open society foundations  ذات الحضور القوي في تركيا بالوقوف وراء تحريك المظاهرات .
 ومن المعروف ان هذا الملياردير اليهودي الأمريكي الهنغاري الأصل الذي تتجاوز ثروته 90 مليار دولار قد برع باستخدام مؤسسات المجتمع المدني لتحريك التظاهرات ضد العديد من الأنظمة في  شرق أوروبا وتدريب قادتها وتحديد شعاراتها  وخطابها الإعلامي وكان وراء ما عرف (بالثورة البرتقالية) في اوكرانيا وجورجيا ودول أخرى التي استفيد منها لاحقا في تنفيذ مخطط الربيع العربي وقد نشطت مؤسسته في  اسطنبول وانقره وادنا وازمير وغيرها من المدن ضد أسلمه ألدوله والمطالبة بمزيد من الحقوق للنساء رغم كون تركيا  من أوائل الدول التي أعطت للنساء حق التصويت منذ عام 1923. غير ان حكومة اردوغان سعت للحد من هذه الحقوق واستغل سورس قرار منع تداول الكحول  لتفجير الصراع الأخير بين دوله( متاسلمه) وشعب اتاتوركي علماني.
 ويعتقد كثيرون انه اردوغان شن هجوما على أتاتورك ورئيس الوزراء عصمت اينونو اللذان رفعا الحظر على الكحول عام 1926 والمعروف إن أتاتورك ووزيره الأول  ماتا بسبب تليف الكبد نتيجة الإفراط  بتناول الخمور وقد سارع اردوغان بالقول: انه اختار بين قانون الله وأخر وضعه اثنان من السكارى.

 فيما يعتقد آخرون وفق نفس( نظريه المؤامرة) التي غالبا ما سخر الأتراك من العرب لولعهم فيها كلما انفجرت الإحداث السياسية في منطقتنا... ويرى هؤلاء انه بعد 50 عاما فان انقره تعلن عن دخول نادي الدول المتقدمة اقتصاديا التي لا تمد يدها لصندوق النقد الدولي  ولا تقبل شروطه كدليل على نجاح السياسة ألاقتصاديه التي تبناها اردوغان وحزبه منذ 11 عاما وقد أعلن قبل أسبوعين من اندلاع المظاهرات ان بلاده لم تعد بحاجه لقروض البنك الدولي او صندوق النقد الدولي وقد سددت أخر دفعه بذمتها بلغت 317 مليون دولار.
 لقد لجأت تركيا منذ عام 1958 للاقتراض من المؤسسات الدولية لتعمير البلاد وتغطيه العجز في موازنتها وفي عام 2005 وقعت أخر قرض مع صندوق النقد الدولي انتهت من تسديده عام 2008 لكنها بدأت مباحثات مع مؤسسات الإقراض الدولية منذ عام 2010 استمرت لعامين دون التوصل الى أي اتفاق حيث رفضت بعدها أي قرض من صندوق النقد الدولي . ويدلل هؤلاء على ما فعله الغرب باندونيسيا عام 1998 حين انهارت عملتها وأفلست شركاتها الكبرى واتهم حينها سورس وشركاءه بتدبير عمليه اغتيال اقتصاد النمور الأسيويين المذهل.
مظاهرات تركيا التي امتدت الى 40 مدينه والتي لم تحمل أي إعلام حزبيه والتي أزيح فيها المتظاهرون بالقوة من تقسيم فيما هدد اردوغان بإنزال أنصاره للشارع ما ينذر بحرب أهليه غير مسموح بها حاليا لان فيها نهاية اردوغان وحزبه.... ورغم ذلك فان البلاد لازالت تغرق في التكهنات والتفسيرات المختلفة ويقال ان الجيش التركي لم يكن راضيا عن قمع التظاهرات بهذه ألطريقه وانه يتعاطف معها وهو ما ينسجم مع دور الجيش التركي الذي أسس تركيا ألحديثه  التي قطف اردوغان وحزبه ثمار دورهم هذا فطالما اعتبر الأتراك الجنرالات حماه ألدوله الاتاتوركيه والعلمانية والديمقراطية وقد سبق للجيش ان قام بتصحيح المسار السياسي في 1960 و1971 و1980 وبذل اردوغان قصارى جهده للحد من نفوذهم واتهم المئات منهم بالتأمر.

 بوخارست
 

 

 
   
 


اقـــرأ ايضـــاً
سحر طه" ولدت في بغداد، عاشت في بيروت، وتوفيت في ميشيغان
السينما تستعيد القرش المتوحش بعد 43 عاماً على الأول
لوحات آدمية ساحرة في "cirkopolis" تتشكّل ثم تتبعثر ثم تتكامل
10 حفلات لـ "كاظم الساهر" في 5 مهرجانات لبنانية خلال 20 يوماً
كاستييخو إلى ميلان وباكا إلى فياريال
الإصابة تُبعد دي بروين 3 أشهر
عرض خيالي من ريال مدريد لضم نيمار؟
رونالدو عنوان انطلاق بطولتيّ إسبانيا وإيطاليا
أكثر من مليوني مسلم يؤدون مناسك الحج هذا العام
الصاروخ الذي استهدف حافلة الأطفال في اليمن أميركي الصنع
بكين ترفض اتهامات البنتاغون للجيش الصيني وتعتبرها مجرد تكهنات
وفاة الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة كوفي أنان
 


اشترك معنا في النشرة البريدية للموقع ليصلك جديد الموقع من الاخبار والمقالات المنوعة على بريدك الالكتروني