العمالة و الوطنية و الحكومة العراقية


تعالت الأصوات في الآونة الأخيرة و خاصة مع قرب تشكيل الحكومة العراقية الجديدة حين تبادلت الأتهامات بين الكتل السياسية بالعمالة و التواطئ مع الأمريكان حيث اتهمت الكتلة المنافسة بالتماهي و التماشي مع المشروع الأمريكي في العراق في حين اتهمت الكتلة المقابلة بالعمالة الى ايران وتنفيذ اجندتها في العراق حتى وان كان ذلك على حساب الشعب العراقي و مصالحه و مستقبل ابناءه حتى وان جعلت من هذا البلد الجبهة المتقدمة للصراع الأيراني - الأمريكي و الذي سوف تجري فصوله على الأرض العراقية كما هو معتاد بعيدآ عن امريكا و عن ايران .
بعيدآ عن المزايدات و الشعارات و الحرب على الأستكبار العالمي و مقاتلة الشياطين الصغار منهم وصولآ الى الكبار و طريق تحرير القدس المعبد يمر عبر كربلاء استراحة الجيوش الأيرانية الذاهبة الى تحرير فلسطين وغيرها من تلك الهتافات حتى بحت تلك الحناجر و اصابها الوهن فقد بقيت تلك الشعارات حبيسة التظاهرات المعتادة التي تعقب صلاة الجمعة من كل اسبوع و تتعالى الصيحات و يكثر الصراخ في الجمعة الأخيرة من شهر رمضان بأعتباره اليوم الأيراني المخصص للقدس و الذي يقام و منذ قيام الجمهورية الأسلامية في ايران أي ما يقارب الأربعين عامآ و لم نجد سوى الصلاة و الدعاء و رفع الأكف الى السماء لنصرة الشعب الفلسطيني المظلوم .
لندع الشيطان الأصغر جانبآ و الذي يبدو انه اصبح الملاك الروسي و بقي ذلك الأكبر الأمريكي و الذي تجوب اساطيله و سفنه الحربية و طائراته المقاتلة مياه و اجواء الخليج العربي في عرض للقوة و استعراض للعضلات امام السواحل و الشواطئ الأيرانية و لم تجرؤ القوات الأيرانية النظامية و لا قوات الحرس الثوري الذي يهدد و يتوعد كل يوم بالويل و الثبور و اغلاق الممرات المائية و اغراق السفن المعادية و مع كل هذا الضجيج من التصريحات لم نرى شيئآ يدل على صحة تلك البيانات سوى انها للتشويش الأعلامي فقط و الظهور و كأن الحرب قد وقعت و ان السفن الحربية الأمريكية قد اغرقت .
لم يتمكن احد من الدول الكبرى او الصغرى من جعل العراق ساحة تصفية حسابات فيما بينها فتصفية الحسابات تجري على اراضي الدول الصغيرة و الهامشية تلك العربية منها او الأفريقية و حتى بعض الدول الآسيوية و منذ ان تأسس العراق كدولة وطنية ذات سيادة و حدود معترف بها لم تتمكن دولآ كبرى كانت حليفة للحكم العراقي وقتها مثل بريطانيا العظمى من جعل هذا البلد قاعدة او منطلقآ في الهجوم على بلدآ آخر و على سبيل المثال كان الأقليم الشمالي للجمهورية العربية المتحدة ( سوريا ) يقع على الحدود العراقية و كان العداء بين بريطانيا و حكومة الرئيس ( جمال عبد الناصر ) في اوجها .
احتل الجيش الأمريكي العراق و اسقط نظام ( صدام حسين ) و سلمت القوات الأمريكية الحكم الى الأسلاميين و طليعتهم ( حزب الدعوة ) لكنه كان ( وفيآ ) لأولئك الذين تربى في حضنهم و كان في ضيافتهم لسنوات طويلة و ان لم تكن تلك الضيافة بذلك الكم الجم من المرؤة و الكرم و هو ما يعرفه جيدآ قادة هذا الحزب قبل قواعده و مع ذلك فتحت ابواب العراق و فرشت الشوارع و الطرق بالسجاد الأحمر امام التدخل الأيراني و عبر الجنرال ( قاسم سليماني ) الحدود و استجلب معه فلول ( القاعدة ) لمهاجمة القوات الأمريكية في العراق في سيناريو مزعج و مصطنع متسالآ بسذاجة عن كيفية دعم ايران الشيعية لنتظيم القاعدة السني الوهابي المتطرف و يبدو ان الجنرال ( سليماني ) لم يعرف بعد ان في السياسة كل شيئ ممكن و مباح .
طلع العراق المتعب و المثقل بالحروب و الحصار و الأزمات منهكآ و محطمآ يبحث عن المساعدة و النجدة و عليه ان يقدم مقابل تلك المساعدة او المعونة مالآ او نفطآ فلا يوجد في هذا العالم شيئآ يقدم بالمجان و بدون مقابل ان كان من القريب او من الغريب و على من يقدم المال الوفير او العطاء الكبير ان يأخذ مقابله ما يوازيه من الأمكانية و النوعية و بعد الفحص و التحميص وجدت ان الصناعة و البضاعة الأمريكية و الغربية اكثر جودة و متانة من مثيلتها الأيرانية هذا ان كان لها مثيل لديهم ان كانت الحربية او تلك المدنية التي تدخل في الأعمار و البناء و تحسين حياة الناس و الأرتقاء بمستوى معيشتهم .
السياسيون الوطنيون في كل حكومات الدنيا يتفقون و يتعاونون مع الدول التي تلتقي مصالح بلدانهم معها للمنفعة و المصالح المشتركة و المتبادلة اما تلك التي تتقاطع مصالح دولهم معها فهم يبتعدون و ينأون بدولهم عنها حفاضآ على مصالح بلدانهم اما السياسيين العملاء و الخونة و الذين لا تهمهم مصلحة شعوبهم و بلدانهم بقدر ما تهمهم مصالح بلدان مشغليهم فهم يقاتلون بأبناء جلدتهم و يجلبون الخراب لبلدانهم و الدمار للعمران و البنيان و يحاربون بالنيابة دفاعآ عن الآخرين و عن بلدان الآخرين و عن مصالح الآخرين .
ليس هناك من عيب او ضرر او حتى خدش للوطنية اذا ما كانت هناك مصلحة و منفعة للعراق و شعبه مع أي دولة في العالم و بالأخص تلك التي تملك المال و القوة و التكنلوجيا مثل امريكا و روسيا او الدول الأوربية و غيرها و ان يكون هناك تعامل و تعاون تجاري متبادل و خاصة وان العراق حاليآ بحاجة ماسة الى دول غنية و قوية و متقدمة علميآ لتساهم في اعادة ما هدمته الحروب و ما خربته حكومات الأحزاب الأسلامية و ما الحقته من دمار في البنى الفوقية و التحتية و هاهي حكومة عراقية جديدة على وشك ان تتشكل رئيسها من الأسلاميين المطيعين للحوزات الدينية و مراجعها فهو سوف يبقى يدور في نفس الحلق المفرغة التي كان زملائه من ( رؤساء الوزارات ) السابقين يدورون فيها بالأتجاه الذي يحدده لهم ( الولي الفقيه ) الأيراني و سوف نعود الى نقطة البداية من جديد و ستضل عجلة الناعور تدور و تدور في الدائرة ذاتها .

  كتب بتأريخ :  الخميس 11-10-2018     عدد القراء :  210       عدد التعليقات : 0