معايير رجل الدولة الصالح عند المرجعية الدينية
بقلم : د. أسعد كاظم شبيب
عرض صفحة الكاتب
العودة الى صفحة المقالات


هناك قوى متعددة داخلية وخارجية تحدد معايير وصفات الرؤساء الثلاثة الأهم في المشهد السياسي العراقي، وبالأخص شخصية رئيس الوزراء، لما لهذا الموقع من أهمية سياسية حسب الدستور العراقي لعام 2005.
هذه القوى التي تضغط بإتجاه تحديد معايير وصفات رئيس الوزراء تنطلق من اعتبارات عديدة منها: التعارض بين هذه القوى ذاتها، إذ كل طرف يسعى إلى فرض شخص يضمن مصالحه ونفوذه للسنوات الأربع القادمة من إدارة الدولة العراقية، ويبدو أن المرجعية الدينية كقوة اجتماعية ذات تأثير شعبي وروحي وتحظى بقبول كبير من قبل شرائح واسعة من الشعب العراقي هي الأخرى تحرص قبل وبعد الانتخابات إلى طرح معايير ترى ضرورة اتباعها في إختيار رئيس الحكومة، ووسط التعارض والتباين وتشبث بعض القوى السياسية التقليدية النافذة برموزها وشخوصها السياسية لتولي السلطة مرة أخرى بعيدا عن التقييم السلبي لها، وهذا هو الملاحظ بعد انتخابات عام 2014 حيث كان للمرجعية الدينية القول الفصل في إنهاء حلم نوري المالكي رئيس الوزراء بتوليه دورة ثالثة، وهو ما رجح تولي حيدر العبادي رئيسا للوزراء لأربع سنوات.
وبعد كل السخط الشعبي وتردي الوضع الخدمي ووقوف السلطة التنفيذية متفرجة أمام حجم الفساد المالي والإداري المستشري في مؤسسات الدولة، دعت المرجعية الدينية رئيس الحكومة حيدر العبادي الذي نجح في إستعادة الأراضي المغتصبة من قبل تنظيم داعش، إلى معالجة الفساد المستشري عبر حثه على أن يكون حازما ويضرب بيد من حديد في إشارة إلى معالجة ملفات الفساد المتورط بها مسؤولين سياسيين كبار، لكن خاب أملها بعد أن شعرت بعدم تحقيق رغبتها في مكافحة الفساد كجزء أساسي من متطلبات الشعب العراقي.
وارتفعت حدة الاحتجاجات مع ارتفاع درجات الحرارة وتردي الواقع الخدماتي وغياب الخدمات الاساسية من ماء وكهرباء وصحة وغير ذلك، فشهدت مدن عراقية مختلفة أبرزها البصرة مرة أخرى مظاهرات واحتجاجات صاخبة، لتنحاز المرجعية الدينية من خلال خطب الجمعة في الاسابيع الماضية بصورة واضحة لمطالب الشعب وقدمت معايير هامة تتوفر بشخص رئيس الوزراء الجديد، فهي بالرغم من أنها لا تتدخل في اسم رئيس الوزراء لكن ترجح في معاييرها اسم على آخر وفق مقاييس معينة يمكن تسميته برجل الدولة الصالح المناسب للمرحلة التي تمر بها الدولة العراقية بكل ما تحمله هذه المرحلة من ملفات وتعقيدات شائكة، ومن أبرز المعايير التي حددتها مرجعية الدينية ما يلي:
أولاً: أن لا يكون ممن استلم السلطة سابقا (وجه جديد)
إن البعد السياسي في توجيه المرجعية بإختيار رئيس وزراء جديد، حيث لا تحبذ في تدوير ذات الوجوه التي كانت تدير الدولة ولم تقدم إنجازا لدواعي مختلفة منها: تحكم المحاصصة في إتخاذ القرار، وإدارة مؤسسات الدولة، وتنفيذ الاجندات الحزبية وغير ذلك، وكانت المرجعية الدينية قد دعت أبناء الشعب منذ انتخابات عام 2014 إلى قاعدة (المجرب لا يجرب)، وفي خضم السجال الذي دار قبل وبعد انتخابات عام 2018 حول المرشحين لرئاسة الوزراء بين الكتل التي تدعي كلا منها أنها الكتلة الأكبر التي ستشكل الحكومة، أشارت المرجعية الدينية إلى أنها لا تؤيد رئيس الوزراء القادم إذا اختير من السياسيين الذين كانوا في السلطة في السنوات الماضية بلا فرق بين الحزبيين منهم والمستقلين، لانّ معظم الشعب لم يعد لديه أمل في أي من هؤلاء في تحقيق ما يصبو إليه من تحسين الأوضاع ومكافحة الفساد.
إصرار المرجعية على هذا المعيار جعل القوى الشيعية وبالأخص الكتلتين المتنافستين على الكتلة الأكبر (سائرون والفتح) في صدد البحث عن مرشح جديد لمنصب رئيس الوزراء، من خارج السياقات، تنطبق عليه شروط المرجعية الدينية ويحظى بقبول دولي وإقليمي بعيداً من الأسماء المتداولة في الأوساط السياسية، وبعثت أحزاب شيعية برسائل إلى القوى السنّية تدعوها إلى الإسراع في حسم مرشحها لمنصب رئيس البرلمان قبل جلسة السبت 15/ايلول، لكن يبدو أن هناك قوى لا ترغب بالشخصيات الجديدة ومن خارج كوادرها الحزبية كما صرح بذلك مقتدى الصدر الذي عبر عن تأييده الكامل للمعايير التي اشترطتها المرجعية الدينية.
ثانياً: الكفاءة
تعرض المرجعية الدينية معيار الكفاءة في شخص رجل الدولة الصالح لاسيما على مستوى الجانب التنفيذي، لما لاحظته من غياب الكفاءة في الكثير ممن تصدى للمسؤولية والإدارة، بمعنى أن الكفاءة التي تطرحها المرجعية الدينية هنا هو تصدي الشخص المتخصص في مجال عمله، وينبغي أن يتصدى لإدارة الدولة سواء كان رئيسا للوزراء أو وزير أو مدير والدرجات الوظيفية الأخرى، ليس لأنه من هذا الحزب او ذاك وإنما لكونه مختص في المجال التنفيذي والإداري والخدمي.
ثالثاً: النزاهة
من عيوب المتصدين للنظام السياسي الجديد في العراق بقيادة كتل وأحزاب سياسية مختلفة ومنهم حزب الدعوة الذي تصدى ثلاثة أعضاء فيه رئاسة الحكومة العراقية، الترهل والفساد في مؤسسات الدولة، وغياب المحاسبة، والتماهل بل والدفاع عن الشخصيات الفاسدة لأسباب حزبية، تصر المرجعية الدينية في ضوء السجال الشعبي والسياسي الحاصل أن يكون رئيس الوزراء الجديد يتسم بالنزاهة، حيث أنها ترى أن سبب استمرار معاناة معظم المواطنين من نقص الخدمات وإنتشار البطالة وتراجع القطاعين الزراعي والصناعي بصورة غير مسبوقة، وكل ذلك نتيجة ٌطبيعية ٌلإستشراء الفساد المالي والإداري في مختلف مرافق الدولة ومؤسساتها.. والإبتعاد عن الضوابط المهنية في تسييرها وإدارتها.
رابعاً: الشجاعة والحزم
يأتي هذا المعيار بعد أن كان الخطاب المرجعي يتوجه في عدد من المناسبات عبر منبر الجمعة إلى السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية بضرورة الإسراع بمعالجة الملفات والمشاكل ومنها ملف الفساد ومعاقبة سارقي المال العام، نادت المرجعية بضرورة أن يكون رئيس الوزراء يتسم بالشجاعة الكافية في مكافحة الفساد المالي والإداري - الذي هو الأساس في معظم ما يعاني منه البلد من سوء الأوضاع، ويعتبر ذلك واجبه الأول ومهمته الأساسية، ويشن حرباً لا هوادة فيها على الفاسدين وحماتهم.
المرجعية الدينية عندما تعرض هذه المعايير إستجابة لمتطلبات المرحلة بكل ظروفها الصعبة بالوقت نفسه تواجه انتقادات، حيث يعد البعض أن عرض المرجعية لهذه المعايير بمثابة عملية إقصائية لعدد من الوجوه السياسية والتنفيذية وبذلك تبعدهم من المنافسة الديمقراطية، كما أقصت المالكي في الانتخابات السابقة وهي بذلك تقف أمام العبادي، مشكلة النقاد أنهم لا يميزون بين الديمقراطية الواعية والكاملة والمؤسساتية والإنضباط القانوني والمحاسبة البرلمانية كتلك القائمة في البلدان الغربية المتقدمة أما الديمقراطية عندنا فهي بدايات ديمقراطية في أجواء سياسية وقانونية بدائية وناشئة تتخذ منها الكتل السياسية وسيلة للوصول إلى غايات مالية شخصية وحزبية وتحقيق اجندات خارجية.
كما أن المرجعية الدينية توجب على الحكومة المختارة وفق المعايير المشار إليها تتعهد بالعمل في ذلك وفق برنامج معدّ على أسس علمية يتضمن إتخاذ خطوات فاعلة ومدروسة ومنها ما يأتي:
1- تبنّي مقترحات لمشاريع قوانين ترفع إلى مجلس النواب تتضمن إلغاء أو تعديل القوانين النافذة التي تمنح حقوقاً ومزايا لفئات معينة، يتنافى منحها مع رعاية التساوي والعدالة بين أبناء الشعب.
2- تقديم مشاريع قوانين إلى مجلس النواب بغرض سدّ الثغرات القانونية التي تستغل من قبل الفاسدين لتحقيق أغراضهم، ومنح هيئة النزاهة والسلطات الرقابية الاخرى اختيارات أوسع في مكافحة الفساد والوقوف بوجه الفاسدين.
3- تطبيق ضوابط صارمة في إختيار الوزراء وسائر التعيينات الحكومية ولاسيما للمناصب العليا والدرجات الخاصة، بحيث يمنع عنها غير ذوي الاختصاص والمتهمون بالفساد ومن يمارسون التمييز بين المواطنين بحسب انتماءاتهم المذهبية او السياسية ومن يستغلون المواقع الحكومية لصالح انفسهم أو أقربائهم او أحزابهم ونحو ذلك.
4- الإيعاز إلى ديوان الرقابة المالية بضرورة إنهاء التدقيق في الحسابات الختامية للميزانيات العامة في السنوات الماضية وجميع العقود والتخصيصات المالية للأعوام السابقة على مستوى كل وزارة ومحافظة، وضرورة الإعلان عن نتائج التدقيق بشفافية عالية لكشف المتلاعبين بالأموال العامة والمستحوذين عليها تمهيداً لمحاسبة المقصرين وتقديم الفاسدين للعدالة.
وتركت المرجعية إمكانية التواصل مع رجل الدولة الصالح إذا ما توفر وفق المعايير المذكورة وتقديم النصح له فيما يتعلق بمصالح البلد وإلا تستمر على نهجها في مقاطعة المسؤولين الحكوميين منذ عام 2011، محذرة في مناسبة سابقة الحكومة والسلطات ذات العلاقة في السياق نفسه من تعطيل المبادئ المذكورة من أن لا يبقى أمام الشعب إلا تطوير أساليبه الإحتجاجية السلمية لفرض إرادته على المسؤولين مدعوماً في ذلك من قبل كل القوى الخيّرة في البلد فاتحا الساحة الشعبية على كل الإحتمالات.
 
 

  كتب بتأريخ :  الأحد 07-10-2018     عدد القراء :  224       عدد التعليقات : 0