المندسّون
بقلم : د. عباس كاظم
عرض صفحة الكاتب
العودة الى صفحة المقالات

لا أرى مشكلة في تصور وجود المندسين في أحداث كأحداث البصرة. بل المشكلة في تصور غياب المندسّين. فالعراق بلد يشهد هرجاً ومرجاً منذ أكثر من خمس عشرة سنة، تتنوع فيه الأجندات وتختلط الأوراق. ورغم هامش الحرية الذي يتوفر للتعبير فثمة من يفضل أن يعبر عما يريد بطرق خارج هامش الحرية المتاح. هؤلاء لا يستطيعون ممارسة التعبير هذه في الظروف العادية، لذلك تجدهم ينشطون تحت غطاء المظاهرات والأحداث الأخرى التي تثير الغبار.
ووجود هؤلاء أو الإشارة إلى وجودهم أمور لا تغير من أساس المسؤولية الحكومية عن تردي الوضع ومسببات المظاهرات، ولا تلغي شرعية المطالب ولا تبرر المزيد من القمع. الإشارة إلى المندسين هي مجرد وصف لواقع الحال.
حين كنا في مخيمات اللجوء بالسعودية، كان معنا عدد من الذين لا علاقة لهم بانتفاضة ١٩٩١، لكنهم حسبوا عليها. حين كنا نعتصم ضد السعوديين كان بعض نزلاء المعسكر يخرب السياج، ويعرضنا لإطلاق الرصاص، لا لشي إلا ليذهب إلى المربع المجاور ليرى صديقه. هذا هو المندس الحقيقي الذي يستغل قضية ما ليفعل شيئاً لا يخصها بل يخص مآربه ولا يستطيع فعله إلا تحت غطاء حدث معين.
في مظاهرات الأميركان من أصول أفريقية ضد قمع الشرطة لهم في مدينتَي لوس أنجلس وبالتمور رأينا عدداً من الذين تركوا مراكز الشرطة واتجهوا إلى متاجر الأجهزة الكهربائية والألكترونية لـ"يتسوقوا" مجاناً منها. لم يؤثر وجود هؤلاء من عدالة القضية ولكن إنكار وجودهم أو حسابهم على أصحاب القضية هو الخطأ.
الذي يذهب إلى شعبة العقود والشعبة القانونية في مبنى المحافظة ليحرقهما هو شخص يعلم أين هذه الأماكن وقيمة ما فيها. أما الذي يحرق لمجرد الحرق فيبدأ من مكتب الاستعلامات.
الحكومة تشير إلى المندسين لتقول لنا إن هؤلاء هم الذين يحرضون الناس وهم الذين يحرفون المطالب عن وجهها الشرعي وكأنها تبرر القمع، لأنها تقول إنما نحن نضرب المندسين، وتخفف من حقيقة الغضب، فكأنها تقول إن الناس مع الحكومة ولكن المندسين يحركونهم ضدها وليس فشل الحكومة هو ما يخرج الناس إلى الشوارع.
نعم، هذه المظاهرات هي البيئة المثلى للمندسين من الناقمين على العراق وما أكثرهم.
ألا تربح دول الجوار من اشتعال البصرة؟ ألا يوجد بعثيون فقدوا امتيازاتهم وسلطتهم في البصرة؟ ألا يوجد جهلة مسلحون يمكن شراؤهم بمائة دولار؟
هذا هو الحديث عن المندسين وليس القصد منه شيطنة المتظاهرين أو اتهام البصريين بالبطر والعدوان. حاشاهم من ذلك، بل العدوان والإثم كله من فعل الحكومات المتعاقبة التي أوصلت البصرة إلى ما هي عليه.
 

  كتب بتأريخ :  الخميس 13-09-2018     عدد القراء :  2324       عدد التعليقات : 0