مهارات العمل المطلوبة لعام 2020 في العراق”
بقلم : لقمان عبد الرحيم الفيلي
عرض صفحة الكاتب
العودة الى صفحة المقالات

في ضوء الثورة الصناعية الرابعة نحن نقف الآن على شفا ثورة رقمية من شأنها أن تُغير جذريا طريقة عيشنا وعملنا وربطنا ببعضنا البعض. إن التحول، على نوعه وحجمه وتعقيده، سيختلف عن أي شيء شهدته البشرية من قبل. نحن لا نعرف حتى الآن كيف سيكون، ولكن هناك شيئا واحدا واضحا ومرتبطا بالمجتمعات وهو ضرورة أن يكون الرد، حكومات ومجتمعات، على هذه التطورات متكاملاً وشاملاً، وسيشمل جميع أصحاب المصلحة في النظام السياسي العالمي، من القطاعين العام والخاص إلى الأوساط الأكاديمية والمجتمع المدني. وهنا يأتي السؤال عما علينا عمله اتجاه هكذا تطور مقبل؟ في هذه المقالة سأحاول ان أغطي، متواضعاً، الجانب المتعلق بطبيعة مهارات العمل المطلوبة لنا في سوق العمل العراقية.
 
الثورة الصناعية الرابعة:
بداية العام الماضي، أصدر المنتدى الاقتصادي العالمي تقريراً بشأن طبيعة المهارات الانسانية المهمة لقطاع العمل، ذكر فيها عدة نقاط، أرى من الضروري ان نتحاور مع جمهورنا العراقي حول هذا الموضوع والاطلاع على بعض محاور التقرير. اذ اشار التقرير الى انه «في أقل من أربع سنوات، سوف يسعى أصحاب العمل إلى الحصول على موظفين ذوي مهارات مختلفة جداً عما هم عليه اليوم. في الواقع، فإن أكثر من ثلث مجموع المهارات المطلوبة في معظم المهن ستتألف (في المتوسط) من مهارات لم تعتبر بعد مهمة للعمل اليوم. وبعد خمس سنوات من الآن، سيتغير أكثر من ثلث المهارات (35 %) التي تعتبر اليوم مهمة في القوى العاملة.»
 
اضاف التقرير ايضاً انه «بحلول عام 2020، سوف نرى الثورة الصناعية الرابعة قد قدمت لنا الآليات المتقدمة والنقل الذاتي، والذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي، والمواد المتقدمة والتكنولوجيا الحيوية البيولوجية وعلم الجينوم والمركبات المستقلة والطباعة ثلاثية الأبعاد وتكنولوجيا النانو والتكنولوجيا الحيوية وعلوم المواد وتخزين الطاقة والحوسبة الكمية. هذه التطورات سوف تغير الطريقة التي نعيش بها، والطريقة التي نعمل بها. سوف تختفي بعض الوظائف المألوفة حالياً، والبعض الآخر سوف تنمو والوظائف التي لا توجد حتى اليوم سوف تصبح شائعة. ما هو مؤكد هو أن القوى العاملة في المستقبل سوف تحتاج إلى مواءمة مهاراتها لمواكبة المتغير الجديد».
 
من المفيد ان نذكر هنا صيرورة هذه التحولات التاريخية، اذ استخدمت الثورة الصناعية الاولى طاقة الماء والبخار لإنتاج المكننة. والثانية استخدمت الطاقة الكهربائية لخلق الإنتاج الضخم. والثالثة تستخدم لغاية الان الالكترونيات وتكنولوجيا المعلومات لمكننة الإنتاج (وهي تحدث منذ منتصف القرن الماضي). الآن الثورة الصناعية الرابعة تعتمد أساساً على الثورة الثالثة التي سبقتها، وهي تتميز بمزيج من التقنيات التي تخلق جوا متكاملا بين المجالات الفيزيائية والرقمية والبيولوجية.
 
قد يقول قائل ان ما نراه الان من تطور هو امتداد عادي ومجرد استمرار للثورة الصناعية الثالثة، في الحقيقة هناك ثلاثة أسباب لا تجعل تحولات اليوم مجرد امتداد للثورة الصناعية الثالثة، بل تُمثّل معالم واضحة وصولاً للرابعة المتميزة بالسرعة والسعة والقدرة على التأثير الكبير في أنظمة العمل المختلفة. إن سرعة الانطلاقات الحالية للثورة الرابعة ليس لها سابقة تاريخية. وبالمقارنة مع الثورات الصناعية السابقة، فإن الرابعة تتطور بسرعة هائلة وليس كخط طولي. علاوة على ذلك، فإنها ستُعطّل وتُؤثر في كل صناعة حالية تقريبا في كل العالم. وتشهد اتساع وعمق هذه التغيرات على تحول نظم الإنتاج بأكملها، بالإضافة الى الإدارة والحُوكمة.
 
المهارات المطلوبة:
لفهم ماهية التحدي الذي نواجه في العراق حول طبيعة المهارات المطلوبة، من الضروري هنا ان نرجع قليلاً بالزمن الى الوراء ونرى اهم المهارات التي كانت مطلوبة في عام 2010 وعام 2015، ومن بعد ذلك ننطلق الى المستقبل ونرى ما هي التوقعات حول المهارات العشر الاولى الناعمة المطلوبة لقطاعات العمل المختلفة لعام 2020.
 
اهم المهارات الناعمة للعام 2010 وحسب الاولوية:
1. الاتصال - عن طريق النطق، والقدرة على التحاور الاتصال، كتابةً، وتحدثاً، واستماعا.
2. المجاملة - آداب الاتيكيت، آداب الأعمال، الكياسة، القول من فضلك، وشكرا لكم، الاحترام.
3. المرونة - القدرة على التكيف، على استعداد للتغيير، الذي يريد ان يستمر بالتعلم، يقبل أشياء جديدة.
4. المصداقية - الصدق، الاخلاق، القيم العالية، القيم الشخصية، يفعل ما هو صحيح.
5. المهارات الشخصية - لطيف، روح الدعابة، يرعى الاخرين، متعاطف، لديه ضبط النفس والصبر، المهارات الاجتماعية.
6. إيجابي التفكير - متفائل، متحمس، مشجع، سعيد، واثق.
7. المهنية - الجدية في العمل، ذو مظهر.
8. تحمل المسؤولية - المساءلة، واثق من نفسه، يصل لأهدافه، يعرف ماذا يريد، الانضباط الذاتي، الحس السليم.
9. العمل الجماعي - متعاون، يعمل جنبا إلى جنب مع الآخرين، يتعايش مع الاخرين، يدعم الاخر.
10. أخلاقيات العمل - العمل الجاد، على استعداد للعمل، الولاء، المبادرة، ذاتي الدوافع، ذو حضور جيد.
 
المهارات الناعمة المهمة لعام 2015 قد شُخَّصت سابقاً حسب التسلسل 1) حل الاشكالات المعقدة. 2) التنسيق مع الآخرين. 3) إدارة الافراد. 4) التفكير النقدي. 5) التفاوض. 6) مراقبة الجودة. 7) خدمة التوجه. 8) الحكم وصنع القرار. 9) الاستماع النشط. 10) الإبداع.
 
اخيراً، إذا نظرنا لاهم مهارات العمل المطلوبة لعام 2020، فالمتوقع حسب تقرير منتدى الاقتصاد العالمي هي1). حل الإشكالات المعقدة. 2) التفكير النقدي. 3) الإبداع. 4) إدارة الأفراد. 5) التنسيق مع الآخرين. 6). الذكاء العاطفي. 7) الحكم وصنع القرار. 8) خدمة التوجه. 9) التفاوض. 10) المرونة المعرفية.
 
قبل الخوض بشأن أثر هذه الدراسة في يوميات العراق (على المديين المتوسط والبعيد)، أرى من المهم هنا ان نحاول معرفة بعض التفاصيل والتعريفات عن هذه المهارات العشرة لعام 2020 وحسب اولويتها:
1. حل المشكلات المعقدة لا تزال من كبار المهارات المطلوبة لأصحاب العمل، حتى مع زيادة الاعتماد على البيانات الالية في اتخاذ القرارات، فالناس سوف تبقى بحاجة إلى هذه المهارة الأساسية لتكون قادرة على حل المشكلات المعقدة.
2. التفكير النقدي هي المهارة الأساسية التي ستبقى في طلب متزايد، حيث إن القدرة على استخدام المنطق والجدلية لتحديد نقاط القوة والضعف في الحلول والنهج المختلفة هي المهارة التي سنظل بحاجة إليها على الرغم من أن الالة أصبحت أكثر انتشاراً.
3. الإبداع سوف تصبح مهارة اساسية يبحث عنها أرباب العمل، وسينتقل الإبداع من المركز العاشر في عام 2015 إلى أفضل ثلاث مهارات يبحث عنها أرباب العمل في عام 2020، مع هجمة التكنولوجيات الجديدة، وسوف يزداد طلب توظيف المبدعين لمعرفة سبل تطبيق التكنولوجيا الجديدة وخلق منتجات وخدمات جديدة.
4. إدارة الأفراد هي المهارة التي سيتم السعي للحصول عليها باستمرار، وتستلزم إدارة الافراد القدرة على تحفيز الناس، وتطوير الموظفين، وتحديد أفضل الكوادر لهذه المناصب.
5. التنسيق مع الآخرين هو شيء آخر للتكنولوجيا لم يتقن بعد. ومرة أخرى، يندرج هذا أيضا تحت مظلة المهارات الاجتماعية ويتبع القدرة على ضبط الإجراءات فيما يتعلق بالتعاون مع الاخرين.
6. الذكاء العاطفي هي المهارات الاجتماعية الأخرى التي ستكون تحت الطلب وبازدياد. قد تكون المكننة قادرة على القيام بالكثير من الوظائف، ولكن لا يمكن قراءة قلب وعقل البشر الا من خلال البشر.
7. الحكم واتخاذ القرارات سوف تصبح مهارة مرغوبة للغاية. حيث تعتبر مجموعة المهارات هذه «مهارة نظام»، وهي القدرة على تحليل البيانات لتكون قادرة على اتخاذ القرارات. وبما أن المؤسسات تجمع بشكل متزايد الكثير من البيانات، ستكون هناك حاجة أكبر للموظفين الذين لديهم القدرة على تحليل البيانات واستخدامها لاتخاذ القرارات.
8. مهارات توجيه الخدمة ستكون مهمة. وستستمر المهارات الاجتماعية القوية في أن تصبح أكثر أهمية، لأن المكننة ستأخذ المزيد من فرص العمل. والسبب هو أن أجهزة الكومبيوتر لا تزال فقيرة جداً في محاكاة التفاعل البشري. اذ قراءة عقول الآخرين وردود افعالهم هي متعلقة بعملية اللاوعي. التفاعل البشري في مكان العمل ينطوي على إنتاج الفريق، والعمل مع العمال الذين يتفاعلون مع نقاط القوة لبعضهم البعض والتكيف بمرونة مع الظروف المتغيرة، وهذا التفاعل غير الروتيني هو ميزة الإنسان على الآلات.
9. ستبقى مهارات التفاوض مطلوبة، والمهارات الاجتماعية بشكل عام ستصبح أكثر أهمية من أي وقت مضى في القوى العاملة.
10. اخيراً، ستبقى المرونة المعرفية مهارة مهمة، وهي القدرة على التفكير في مفاهيم متعددة في وقت واحد.  وإن مجموعة واسعة من الوظائف سوف تتطلب مستوى أعلى من القدرات المعرفية - والتي تشمل الإبداع والتفكير المنطقي وفهم حساسية المشكلة - كجزء من مجموعة المهارات الأساسية.هنا يأتي السؤال عن أسباب الحاجة، في الثورة الصناعية الرابعة، الى مثل هكذا انواع من المهارات، من المفيد ان نذكر بان هناك أربعة تأثيرات كبيرة للثورة الصناعية الرابعة على أ) توقعات العملاء التجارية، ب) تعزيز المنتج، ج) الابتكار التعاوني، د) الهيكليات التنظيمية للإدارة. اذن سواءً للمستهلكين أو للشركات، كل شيء سيدور حول كيفية تحسين خدمة العملاء لديها، ويعني ذلك أن المواهب، والمهارات، وتعلم اللغات الأجنبية الحية، وفهم الثقافات الاخرى، والأشكال التنظيمية الإدارية يجب إعادة النظر فيها وهي مربط الفرس لنا في العراق.
 
تقييم الواقع العراقي:
عندما نلقي نظرة على نوع وكم موظفي الدولة العراقية وطبيعة مهاراتهم وواقع أجواء عملهم ومدى مواكبتها لحاجة السوق، لا تستطيع التهرب من نتيجة وجود حاجة ماسة لقيام وزارة التخطيط او غيرها من المؤسسات المعنية من متخصصين بمسح شامل وكامل لتشخيص الواقع كما هو وليس كما تسمع او يقال. بالطبع، الانطباعات الاولية لا تبشر بخير، اذ ان الترهل الوظيفي في دوائر الدولة ومؤسساتها أصبح ظاهرة واضحة وخطيرة، وهنا يأتي سؤال بشأن كيفية قدرة دوائر الدولة في التركيز على مشاريع معينة مع هذا الكم الزائد من الموظفين. وكذلك بخصوص ملاحظة النقص الكبير في تطوير المهارات الشخصية والوظيفية بدل الاهتمام بوجاهة الوظيفة فقط. واللائمة هنا ليست على الموظف فحسب، كون عليه مسؤولية تطوير مهاراته الشخصية بدافع ذاتي، بل المسؤولية تقع ايضاً على المؤسسات التي يعمل فيها هؤلاء الموظفون، حيث انها لا توفر لهم التدريب المناسب في موقع العمل أو خارجه او مثلاً توفير البيئة المناسبة لموظفيها للاحتكاك مع ذوي الخبرة من الموظفين القدماء المسلكيين حتى وان كانوا متقاعدين للتعلم من خبراتهم المتراكمة.
 
من الضروري ألا ننسى ان الوظيفة تكليف وليس تشريفا، ويجب توفر المهارات والمعلومات والخبرات لتأدية المطلوب من هذا التكليف. ولكي نحسن التكليف علينا ان نفكر ايضاً بالثواب والعقاب كسياسة متبعة لتحفيز الموظف وقد تكاد تكون منعدمة حالياً في بيئة العمل في العراق، لاسيماً الحكومية منها. اذ يشعر الموظف الجيد النشط بالغبن كونه سواء عمل بجد او أهمل فان راتبه ومخصصاته المالية ستبقى ذاتها في الحالتين وانه في الكفة ذاتها مع الموظف السيئ والكسول. من جانب اخر هناك قناعة عند الكثير في العراق بان الموظف ليس من الضروري ان يمتلك مهارات وظيفية خارقة للوصول الى مراتب عليا في الدوائر الحكومية العراقية، فالمحسوبية والمنسوبية وعلاقاتك مع مسؤولين كبار في الكتل السياسية او البرلمان او الحكومة هي شيء كاف لبقائك او ارتقائك في الوظيفة بغض النظر عن مهاراتك ومؤهلاتك، وهذه الحالة المستعصية هي مرض يُبتلى به العراق منذ عقود طويلة، ولكن من الضروري ان نوقف هذا النزيف قبل ان يموت المريض نتيجة سوء التغذية وقلة المناعة.
 
حاجة سوق العمل العراقية للمهارات:
بعد تشخيص ما هو مطلوب من مهارات مهمة لسوق العمل منذ 2010 والى 2020، يأتي السؤال المهم حول مدى استعداد الكادر العراقي (إداريين أو حرفيين او أكاديميين.. الخ) لتبني واتقان هذه المستلزمات الضرورية في بناء الدولة والمجتمع؟ ومدى إدراك المؤسسات التعليمية (الاهلية او الحكومية) لحاجة المجتمع لهذه المهارات؟ ومدى تخطيطهم لتهيئة وتسليح الكوادر بهذه المهارات لمد سوق العمل بها؟ هنا من الضروري ألا نفكر بسوق العمل الحكومية فقط، بل ان سوق عمل القطاع الخاص في العراق هي الحيوي في المستقبل لأنها ستخلق الفرص في مجتمع يعول عليها الان ويتكل كثيراً على الاقتصاد الريعي المندثر.
 
من الضروري الا ننسى ان ما هو مطلوب الان من مهارات هي عملية تراكم المهارات المطلوبة لعامي 2010 و2015 بالإضافة الى تطلعات لكسب المهارات المطلوبة لعام 2020، فهي عملية تراكم للخبرات والمهارات وليس فصلا بينها أو اندثارها او عدم الحاجة لها.
 
العراق كدولة ليس بمعزل عن المتغير العالمي، اذ هو ليس في جزيرة نائية على أطراف العالم، بل في قلب الشرق الوسط وفي موقع جغرافي قريب من ثلاث قارات حيوية. فسيحتاج العراق ان يرى ما في الافاق، مثل الثورة الصناعية الرابعة، من مهارات مطلوبة قادمة، خصوصا مع واقع العولمة والتطور التكنولوجي المرتقب الهائل، لجعل برامجه التعليمية والمهنية موازية وملائمة لمستلزمات السوق المحلية والعالمية. الشيء ذاته بخصوص الحاجة الى دعم قطاع ريادة الاعمال والابتكار وتعلم اللغات الحيوية الأجنبية والذي في الأعم الاغلب سيعتمد على قطاع الشباب. وعليه، لا يكفي ان تنتج المؤسسات التعليمية شبابا له معرفة محدودة في علوم معينة جامدة، بل يحتاج ان يهيئه ليخرج من جموده ويواكب المتغير من التطور، متسلحاً بمهارات متنقلة وقابلة للتعايش والتطور مع الزمن. فدور الدولة الاساسي هو خلق أجواء ومهارات العمل لهؤلاء الشباب وليس في تعيينهم في منظومة اشبه ما تكون الى تعيينات بديلة عن ضمان اجتماعي مبطن تحت طائلة التعيين لذات التعيين فقط.
 
من الضروري عدم اعتماد الشباب والموظفين على الغير، كالدولة مثلاً، في تطوير مهاراتهم الشخصية، والشيء ذاته بخصوص مسؤوليات ارباب العمل تجاه كوادرهم. فمسؤولية البناء لا تقع على طرف واحد فقط، ولا يمكن ان تنجح بمشروع تغييري صغير هنا او هناك، بل هي أقرب الى مشاريع وطنية كبيرة معنية بتطوير قدرات الكل استعداداً للقادم في المستقبل من تكنولوجيا لا نعرف بعد كيف ستغير حاضرنا. ومع تقييم الواقع وتزامنه مع سرعة التغيير السريع للثورة الصناعية الرابعة وآثارها الواسعة، فإن المشّرعين والمخططين والوزارات والجهات التنفيذية يواجهون الآن تحديات بدرجة غير مسبوقة وعليهم ان يثبتوا أنهم قادرون على التصدي لمثل هكذا تحديات. ويجب ان يدركوا ان قطار الثورة الصناعية الرابعة يسير بسرعة وله تأثير واضح على الحدود البيئية، والعلاقات الجيوسياسية والاقتصادية، والعقود الاجتماعية، والاختلالات التكنولوجية (المتغيرة بشكل كبير)، وهنا يجب أن ننظر الى هذه التحديات ليس كتحديات سياسية تقليدية فقط بل هناك بُعد اجتماعي واقتصادي لا يقل شأناً عنها. وهنا تأتي أهمية تطوير المؤسسات التي تقود المجتمع لتواكب هذه الثورة في جميع أجواء العمل مثل تطوير نظم الملكية الفكرية، او قوانين العمل، او التجارة لتكون أكثر انفتاحاً ومواكبةً للقادم السريع. المخاوف الحقيقية هي ليست في عمق التحدي فقط، بل في تعارض المصالح عند قيادات البلاد، اذ كثيرا ما ينظر إلى القادة على أنهم من أصحاب المصالح الراسخة في الوضع الراهن، وغير قادرين (او راغبين) إما على إدراك أهمية تأثير المتغير القوي على الاقتصاد والمجتمع أو صياغة استراتيجية ذات مصداقية لتسخير هذا المتغير الجديد (قطار الثورة الصناعية الرابعة) لصالح المجتمع ككل.
 
الخاتمة:
نرجع الى الهدف من كتابة هذا المقال وهو معرفة أثر الثورة الصناعية الرابعة علينا كعراقيين وكيفية الاستعداد لها ومواكبتها، فهذه الثورة سوف لا تكتفي بتغيير ما نقوم به فحسب، بل وتعريف من نحن ايضاً. وسوف تؤثر في هويتنا وجميع القضايا المرتبطة بها مثل إحساسنا بالخصوصية، ومفاهيمنا للملكية، وأنماط استهلاكنا، والوقت الذي نكرسه للعمل والترفيه، وكيف نطور حياتنا المهنية، ونزرع مهاراتنا، ونجتمع بالناس، وكيف نعزز علاقاتنا. ولعل ما شاهدناه من أثر العولمة في المجتمعات هي عينة للقادم من تأثير. حيث ستغير بالفعل وضعنا الحالي وستؤدي إلى تحديد الذات، وأسرع مما نعتقد، وأنه قد تؤدي إلى قائمة من التغييرات لا حصر لها، لأنها محددة فقط بخيالنا وطموحنا بالسير نحو الكمال. وهذا يعني ان النموذج جديد للنمو الاقتصادي، في القرن الحادي والعشرين، سيركز على الإنسان وتعزيز الإمكانيات البشرية والعمالة في جميع أنحاء العالم بدلا من أن تكون بديلا لها.
 
اذن فبناء الامم يبدأ من الانسان وينتهي بتطوير مهاراته مع استدامتها ايضاً، فلنعد كوادرنا الشبابية جيداً بعد اتكالنا على الله والعمل ضمن التخطيط السليم لذلك، المهمة صعبة ولكن ممكن جداً وليست مستحيلة، وبه نستعين.
 

  كتب بتأريخ :  الجمعة 12-01-2018     عدد القراء :  1890       عدد التعليقات : 0