رعاية الأيتام في المنظور الإسلامي
بقلم : البروفسورة – انتصار لطيف حسن السبتي
عرض صفحة الكاتب
العودة الى صفحة المقالات

جاء لفظ اليتم عند أهل اللغة : من اليتيم ، وهو الانفراد وفقدان الأب .
وفي الشرع : هو من مات أبوه وتركه صغيراً ، وهو ضعيف يحتاج إلى رعاية وكفالة حتى يبلغ فاذا بلغ زال عنه اليتم . كقوله تعالى : {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً } (الإسراء /آية 34)
اليتيم في القرآن :  ذكر اليتم في القرآن في عدد من الآيات الكريمة  بصيغة المفرد منها قوله تعالى : {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللّهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } (الأنعام / آية 152  )
وقوله تعالى : {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ } (الضحى / آية 9) 
أما بصيغة الجمع فجاء قوله تعالى : {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنكُمْ وَأَنتُم مِّعْرِضُونَ } (البقرة 83 ، 177 ، 215). ووردت في (سورة النساء/  آية 8، 36) ، و(الأنفال / آية 41)، و(سورة الحشر /آية 7) .
أما بالحديث  النبوي الشريف : جاء عن الرسول محمد (ص)  الكثير من الاحاديث في اليتيم وكفالته منها قوله( ص) : " أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا ، وأشار بأصبعه السبابة والوسطى وفرج بينهما قليلاً " وقوله (ص) " والذي بعثني بالحق لا يعذب الله يوم القيامة من رحم اليتيم ولان له في كلام ورحم يتمه  ، وضعفه " وقوله (ص) " كن لليتيم كالأب الرحيم " .
لقد تكفل الرسول محمد (ص) بكفالة  اليتامى سواء كذلك من أهل بيته أو من المسلمين ومن هؤلاء على سبيل المثال كفالة أولاد السيدة أم سلمة ( رض) ، وهي زوجة الرسول محمد (ص) تزوجها بعد أن أستشهد  زوجها أبي سلمة بن عبد الله المخزومي في معركة أحد سنة (2 هجرية/ 623 ميلادية  )، تكريماً لزوجها ولها ، وكانت أم سلمة أول من هاجرت مع زوجها إلى الحبشة ، وكان الرسول محمد (ص) أباً لأبنائها بقوله(ص) يوم دخل عليها " وإما قولك إني مصبيه فستكفين صبيانك "
وروي عنه (ص) أنه سائله  أحد أبناء شهداء معركة أحد عن أبيه هل مازال حي يرزق أم قتل ، فقال له (ص) " استشهد رحمه الله ، فبكيت ، فقال فأخذني رسول الله (ص) فمسح رأسي وحملني معه وقال : أما ترضى أن أكون أباك "
وفعل الأمر ذاته مع ابن عمه جعفر بن أبي طالب الذي  أستشهد في معركة مؤته سنة (8 هجرية /  629 ميلادية ). وقال (ص) " أنا وليهم في الدنيا والأخرة "
وجاء عن الرسول محمد ( ص) أنه كان ينفق على أبناء عشيرته من اليتامى وخاصة أبناء عمومته من بني عبد المطلب وغيرهم من أبناء الصحابة والمسلمين .
وكذلك كانت السيدة أم المؤمنين زينب بنت جحش زوجة الرسول محمد (ص) تفعل الأمر ذاته مع اليتامى ، حيث كانت تجمع الأموال بصرر صغيرة وترسلها إلى اليتامى من رحمها . وكان لصحابة رضي الله عنهم الكثير من الشواهد في هذا الأمر .
أما ما يخص الدولة الإسلامية من الأيتام فكان لها الدور الكبير في هذا الأمر ، فقد جعلت لهم حصة في أموالها وغاصة من أموال الغنائم وهذا فرض فرضه الله على المسلمين بقوله تعالى : " وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " {الأنفال 41}.
وذكر أن الغنيمة كانت في عصر الرسالة تقسم إلى خمسة أخماس فأربعة منها لمن قاتل عليها وخمس واحد يقسم إلى أربعة أرباع ، فربع لله والرسول وذي القربى والربع الثاني خصص لليتامى .
وكان هناك مورد أخر تنفقه الدولة لليتامى من حصة الفيء ، وهو ما يحصل عليه المسلمون من أموال الذين يبقون على من غير حرب ولا جهاد وهذا الأمر ملزمة الدولة أنفاقه لأنه أمر من الله بقوله تعالى :  مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ{ الحشر آية 7}.
وكذلك من أموال الصدقات الذي يشكل مورداً آخر للدولة لأنفاقه على اليتامى ، فكان الأغنياء يخرجون جزء من أموالهم ليعطوها للفقراء .
وجاء عن أحد المؤرخين السيرة النبوية عن الرسول محمد (ص) " أنه كان يعطي من الصدقة اليتيم فاذا احتلم نقل الى الفيء وأخرج من الصدقة ووجب عليه الجهاد ، فإذا كره الجهاد لم يعطى من مال الصدقة شيء وخلوا بينه وبين أن يكسب لنفسه " 
وهكذا أهتم الإسلام بشأن اليتيم اهتماماً بالغاً من الناحية تربيته ومعاملته وضمان معيشته حتى ينشأ عضو نافع في المجتمع ينهض بواجباته ويقوم بمسؤولياته  .
ويجب أن نتبين من الأمر من أن مسؤولية اليتم ورعايته لا تقع كاملة على الدولة وحدها  ، فهي تقع على المسلمين كافة في رعاية اليتيم ، فهي لا تقتصر على الأم أو الأخ أو العم أو زوج الأم ، وإنما بقية الأقرباء والأهل من الأصول والفروع وكذلك الجيران والأغنياء من أبناء المجتمع .
نتمنى من أهلنا في عراقنا الحبيب أن تكون الرحمة والمحبة والسلام والأخوة هي من تجمعنا ليبارك لنا رب العالمين في وطننا عندما نكون رحماء في ما بيننا ، ونحن مقبلون على الشتاء البارد ، من تفقد اليتامى والمحتاجين وتوفير لهم العز والكرامة الإنسانية من خلال مد يد المساعدة لهم بما نستطيع أن نقدمه لهم . فكل ما نملكه هو ملك الله وللمحتاجين نصيب به ، وسيبارك الله في المال الذي يخرج منه إلى أبناء جلدتنا وأخوتنا في الوطن من المحتاجين تطبيقاً لقوله تعالى : {مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا }( الأنعام  آية/ 160)  .
 

  كتب بتأريخ :  الأربعاء 06-12-2017     عدد القراء :  1694       عدد التعليقات : 0