الإدمان السياسي ...علي عبد الله صالح نموذجا
بقلم : البروفسور – عباس جبير سلطان التميمي
عرض صفحة الكاتب
العودة الى صفحة المقالات

 
المطلعون على التاريخ العربي وعلى منظومته الفكرية والسياسية لا يستغرب انتقال  من جيناته الوراثية التي انتقلت بعد أربعة عشر قرناً إلى ساسته في الوقت الحاضر .
فالتاريخ لم يذكر لنا خليفة أو والي  أو  رئيسا عربياً لجمهورية أو مملكة انتهت ولايته المقررة له ويخرج ويسلم السلطة بصورة سلمية إلى من خَلَفِهِ ، بل اعتمدت نصوص عدم ترك السلطة إلا بأمر الهي ورباني كوفاة ، أو الانقلابات ، أو أمر دولي أو شعبي وهو الأضعف ، مما جعل بلداننا في عصورها الحجرية التي لا تستطيع مغادرتها .
ومن هنا فأن الربيع العربي الذي شمل اليمن السعيد بقرارها وخروج المطالبين في تنحي الرئيس اليمني الذي ترك السلطة على مضض بعد أن طلب الضمانات بعدم ملاحقته ، لم يخرج عن ذلك البيت الريفي الذي نشأ فيه وأخذ يترقب الأمور الذي سوف تحصل في اليمن من بعده ، وبالفعل فهو لم يتنازل عن رئاسة حزبه المؤتمر الوطني ، وأخذ يتصرف كما كان في رئاسة الدولة رئيس تحت الطلب .
ومن هنا أخذ يعيد نفسه إلى الساحة السياسية خطوة خطوة مستغلاً عدم الاستقرار ، والمستفيدين الكثر من وجوده فثلاث وثلاثون عام من الحكم جعلته خبير في تفاصيل التركيبة اليمنية  ، ولم تجعله جيناته أن يستقر ويثبت ويتمتع بما تبقى له من حلاوة الدنيا ، فأخذ يهادن هذا ويترك ذاك حتى على حساب الثوابت الوطنية .
هذا القلق السياسي وعدم الانضباط في التفكير السياسي المضطرب في بلد أختلط عليه الحابل بالنابل ، وخاصة من دول مجاورة لليمن وخاصة  المملكة العربية السعودية التي كانت تخشى من تسلل الفكر الحوثي المدعوم من دول أخرى إلى أراضيها وضرب أيديولوجيتها  أو العبث في أراضيها فكانت السد المانع في مواجهة مثل هذه الأفكار الدخول إلى أراضيها ، فشكلت حلفاً قوياً  لضرب أوكار الحوثيين ، وكانت قد مدت خيوط التعاون مع الرئيس السابق عبد الله صالح  الذي مثل عهده بالنسبة للسعودية جدار صلد في منع أي اعتداء أو اختراق لأراضيها ، وبالفعل عندما تعرض الرئيس السابق  عبد الله صالح لحادثة الحريق ، تم نقله إلى المملكة العربية السعودية لمعالجته ، وقد زاره عدد كبير من المسؤولين وعلى رأسهم الملك ، ولكن بعد شفائه عاد مرة أخرى إلى اليمن ليمارس ما بدأه من تحالفات ، وهذه المرة تحالف مع عدو السعودية الأول وهم الحوثيون ، وهذا الأمر في غاية الغرابة والعجب ، ولا نعرف السبب في ذلك في هذا الانقلاب المفاجئ بعد أن ساند السعوديين في عدائه لهم واستمر التحالف من سنة  2014 إلى سنة قتله من قبلهم 2017.
نتسأل لماذا كل هذا الإدمان السياسي أيها الساسة ؟
هل أن المناصب والخدمة وملئ خزائن الغرب وغيرها هو السبب ؟
أم أن الهوس السياسي وسيطرته على الأعصاب والتفكير العقلي ، بحيث أن الخروج يعني نهايتكم الإنسانية ، ولا حياة لكم بدونها؟
اما آن لكم أن تستكينوا إلى الراحة والتفرغ لإنسانيتكم . ؟
أم انه جنون التاريخ الذي ذاكرتموه في مدارسكم البائسة الريفية المتخلفة أنذاك وهي تسكن تحت وهم العوز والفقر والأمراض العائلية التي استوردتموها من أجيال عرفتم كيف تغلقون أبواب الحرية والتقدم ومواكبة العالم المتحضر ، فبقيت بلداننا مجرد مقابر لا تعرف متى ينزل المطر لتحمل معها مظلة أو قبعة أغلقتكم كل عيونها وأذانها ، بالرغم من أرثها العظيم .
لا تتصوروا أن نهايتكم كنهاية الأبطال كما يصورها أتباعكم ، بل هي نهايات حتمية تدل على تصرفات مجتمعات حولتموها إلى مجتمعات غابات وصحراء لا تعرف الرحمة أو الإنسانية ، نهاياتكم هو قتل لهيّبة المكان والزمان .
فعليكم أيها الساسة أن تلجؤوا إلى مصحات نفسية ، فلكل الأشياء نهايات ما عدا الله ، فنعدما تنهي ما كُلّفتَ به وسجلت تاريخاً مشرفا أترك الأمر لغيرك وتمتع بما تبقى لك من إنسانيتك ، فالدماء الجديدة تجعل من المكان والزمان في فكر جديد ففكرك يصلح لمرحلة ولكن لا يصلح للأبدية .
جعلتم المنظومة السياسية العربية أضحوكة عالم المتغيرات والثورات العلمية ، أنكم ترفضون التغيير ، لتبقوا أصنام بدون حياة ، بل أنكم تريدون أن تقتلوا كل الحياة في تطلعات شعوبكم .
هذه الرعوية الهمجية البربرية من الحقد التي أوصلتم بها شعوبكم  هي لتعاملكم معهم كالشاة تحدون متى وكيف سيكون ذبحها وسلخها .
أسقطتم التاريخ وهيبة الفكر والأثر والرحمة والإنسانية التي ستورثونها من أجدادنا من منظومة قيمية كبرى ، لقد بعتم كل شيء لتبقوا انتم الآلهة الوحيدة لا غيركم لِتعبدون ،وتَعبدون من هو يلعب بكم من خارج أسوار الوطن من شياطين الإنسانية الذين انتم من سلالتهم ، وهم يمدونكم ويرسلون أليكم ألعاب تسليتهم من أسلحة فتاكة تقتلوا عدو مزعوم اخترعوه لكم من خارج حدودكم ، وبعد نصركم الكاذب وهدر  رجالكم أموالكم ، يحركون عدو أخر من أحشاكم فيكون الخريف الدائم في جسد أوطانكم .
على المنظومة السياسية وبعد ما حدث في مسلسل الدرامي في عالمنا العربي من كوارث ، عليها أن تعيد ترتيب أوراقها ، وأن تكون هناك ارادة للتحرر والشفاء من الإدمان السياسي الذي لا يقل عن إدمان متعاطي المخدرات ، فهذه شعوبكم وهذا وجودكم ، وهذا مستقبل أولادكم وهذه أوطانكم ، فلا تجعلوا من الأبدية والوراثة السياسية منهج لكم ، فالدماء الجديدة تخلق أفكار وأبداع وتطور ، فلا يمكن لشخص أو حاكم أو مسؤول أن يبقى ينظر بعين واحدة لكل من حوله ، وعليه يجب على من يتولى أمر شعبه أن يحدد لنفسه زمن قرره له الدستور والقانون وبعدها يغادر بشرف وكرامة .
حتى لا يقع في مستنقع الإدمان ، فهو ما أراده حققه وهو الوصول إلى القمة ، وأن زاد في الطمع  فسيرمى يوما في القمامة بعد أن كان في القمة والمسافة بينهما متساوية  وسببه الإدمان .وأن نستبعد من قاموسنا السياسي " العربي يعشق الأمارة حتى لو كانت على حمارة . ولعلي أتعلم منك أنا .
 

  كتب بتأريخ :  الأربعاء 06-12-2017     عدد القراء :  1708       عدد التعليقات : 3

 
   
 

شكرا لكم ابا هارون جعلكم الله نبراس للثقافة Guest

شكرا لكم ابا هارون جعلكم الله رمز ونبراس للثقافةhi